القديس مارمرقس الرسول — حياته وكرازته واستشهاده
الإنجيلي ومؤسس كنيسة الإسكندرية وأول بطاركة الكرازة المرقسية
سيرة موسوعية موثقة للقديس مارمرقس الرسول: ذكره في الكتاب المقدس، علاقته ببطرس وبولس وبرنابا، كرازته في مصر وتأسيس كنيسة الإسكندرية بحسب التقليد الكنسي، إنجيله، واستشهاده.
مقدمة
القديس مارمرقس الرسول هو أحد السبعين رسولًا، وكاتب الإنجيل الثاني، وهو — بحسب التقليد الكنسي القبطي الراسخ — كاروز مصر ومؤسس كنيسة الإسكندرية وأول بطاركتها. تحتل شخصيته مكانة مركزية في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية التي تلقب نفسها بـ«كنيسة مارمرقس»، وينتمي إليها كرسيها البطريركي باعتباره امتدادًا للكرسي المرقسي.
تجمع هذه السيرة بين ثلاثة مستويات من المعلومات مميزة بوضوح: ما ورد صراحة في الكتاب المقدس، وما ورد في التقليد الكنسي والسنكسار، وما تذكره المصادر التاريخية والكنسية القديمة.
الاسم والألقاب
اسمه «مرقس» (ماركوس باللاتينية، Marcus)، وهو اسم روماني شائع في ذلك العصر. يذكره سفر الأعمال باسم «يوحنا الملقب مرقس» (أعمال 12: 12، 25؛ 15: 37)، فكان له اسم عبري هو يوحنا واسم روماني هو مرقس، وهو أمر معتاد ليهود الشتات في ذلك الزمان.
تلقبه الكنيسة القبطية بألقاب كثيرة، منها: «كاروز الديار المصرية»، و«البهي مارمرقس»، و«عمود الكنيسة المصرية»، و«أول بطاركة الإسكندرية». وفي التراث القبطي يرد اسمه بالصيغة القبطية «ماركوس».
ذكره في الكتاب المقدس
لا يذكر الكتاب المقدس تفاصيل ميلاد مارمرقس أو نشأته، لكنه يقدم لنا عنه إشارات مهمة:
يذكر سفر الأعمال أن بيت «مريم أم يوحنا الملقب مرقس» في أورشليم كان مكانًا يجتمع فيه المؤمنون للصلاة، وإليه جاء بطرس بعد أن أطلقه الملاك من السجن (أعمال 12: 12). هذا يدل على أن أسرته من الأسر المؤمنة الأولى في أورشليم، وأن بيتها كان من مراكز الكنيسة الأولى.
ويذكر التقليد الكنسي — لا النص الكتابي صراحة — أنه كان أحد السبعين رسولًا الذين أرسلهم الرب (لوقا 10: 1). كما يربط تقليد كنسي قديم بينه وبين الغلام الذي تبع المسيح ليلة القبض عليه «وعليه إزار على عريه» ثم هرب تاركًا الإزار (مرقس 14: 51–52)، وهو ربط وارد في كتابات آبائية لكنه ليس نصًا صريحًا، فينبغي فهمه كتقليد لا كحقيقة كتابية قطعية.
علاقته بالرسل
علاقته ببطرس الرسول
علاقة مارمرقس ببطرس من أوثق العلاقات الموثقة في العهد الجديد. يدعوه بطرس في رسالته الأولى «مرقس ابني» (1 بطرس 5: 13)، وهي عبارة تدل على علاقة روحية وثيقة، ويرى كثير من المفسرين أن بطرس كان معنيًا بتلمذته روحيًا. ويذكر التقليد الكنسي القديم — وقد نقله بابياس أسقف هيرابوليس كما حفظه لنا المؤرخ يوسابيوس القيصري في «تاريخه الكنسي» — أن مارمرقس كان «مترجم بطرس» أو تلميذه، وأنه كتب إنجيله اعتمادًا على ما كان بطرس يعظ به. هذا التقليد قديم وراسخ، لكنه يبقى في مرتبة التقليد الكنسي المؤيد بشهادات آبائية مبكرة.
علاقته ببولس وبرنابا
يذكر سفر الأعمال أن مارمرقس رافق بولس وبرنابا — وبرنابا كان خاله أو قريبه بحسب كولوسي 4: 10 حيث يدعوه «ابن أخت برنابا» — في بداية الرحلة الكرازية الأولى (أعمال 12: 25؛ 13: 5)، ثم «فارقهما من برغية ورجع إلى أورشليم» (أعمال 13: 13). وقد سبب هذا الانفصال خلافًا حادًا بين بولس وبرنابا قبل الرحلة الثانية، إذ رفض بولس اصطحابه فأخذه برنابا وأبحر به إلى قبرص، بينما اختار بولس سيلا (أعمال 15: 36–41).
غير أن العلاقة لم تبقَ متوترة؛ ففي رسائله الأخيرة يذكر بولس مرقس بعبارات حانية: «خذ مرقس وأحضره معك لأنه نافع لي للخدمة» (2 تيموثاوس 4: 11)، ويعده في كولوسي 4: 10 وفيليمون 24 من رفقائه في العمل. وهذا التحول نفسه درس روحي في المصالحة ونمو الخدام.
بداية خدمته وكرازته
بحسب سفر الأعمال، بدأت خدمة مارمرقس العلنية مرافقًا لكبار الكارزين: بطرس في أورشليم وما حولها، ثم بولس وبرنابا في الرحلة الأولى، ثم برنابا في قبرص. ويذكر التقليد الكنسي أنه كرز بعد ذلك في مناطق عدة من آسيا الصغرى، قبل أن يتجه — بحسب التقليد القبطي — غربًا نحو أفريقيا، فكرز في برقة (ليبيا حاليًا) ومنطقة البنتابوليس (المدن الخمس)، ثم دخل مصر.
كرازته في مصر وتأسيس كنيسة الإسكندرية
هنا ننتقل من النص الكتابي إلى التقليد الكنسي القبطي المدعوم بإشارات تاريخية مبكرة. يذكر التقليد القبطي — كما يحفظه السنكسار وتاريخ البطاركة المنسوب إلى سويرس بن المقفع — أن مارمرقس دخل الإسكندرية حوالي سنة 61 ميلادية (تذكر بعض المصادر تاريخًا أبكر قليلًا، وهناك اختلاف بسيط بين المصادر في سنة الوصول الدقيقة)، وأن أول من آمن على يديه كان إسكافيًا يدعى أنيانوس، الذي صار لاحقًا — بحسب التقليد نفسه — ثاني بطاركة الإسكندرية بعده.
ويذكر التقليد أن مارمرقس أسس في الإسكندرية أول كنيسة مسيحية في مصر، وأنه رسم كهنة وشمامسة لخدمة الجماعة الجديدة. كما يرتبط اسمه بالمدرسة اللاهوتية في الإسكندرية التي صارت لاحقًا — في القرنين الثاني والثالث — أشهر مدارس اللاهوت المسيحي، وإن كانت المصادر التاريخية لا تثبت تأسيسه المباشر لها بصورة قاطعة، فالأدق القول إن الكنيسة التي أسسها هي التي أنبتت هذه المدرسة.
تاريخيًا، يشهد المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري (القرن الرابع) في «تاريخه الكنسي» لكرازة مارمرقس في مصر وتأسيسه الكنائس في الإسكندرية، وهي شهادة تاريخية مبكرة ومهمة، وإن كانت متأخرة عن الأحداث نفسها بنحو قرنين ونصف.
إنجيل مارمرقس
الإنجيل بحسب مرقس هو الإنجيل الثاني في ترتيب العهد الجديد، ويرى معظم الدارسين المعاصرين أنه أقدم الأناجيل الأربعة كتابة، وقد استخدمه متى ولوقا مصدرًا أساسيًا. أما التقليد الكنسي القديم فيربط كتابته بخدمة بطرس في روما: يذكر بابياس — بحسب يوسابيوس — أن مارقس «كتب بدقة ما تذكره من أقوال الرب وأفعاله» نقلاً عن تعليم بطرس، ويذكر إيريناؤس أسقف ليون (القرن الثاني) شهادة مشابهة.
يتميز إنجيل مرقس بسرعة الإيقاع وكثرة استخدام كلمة «للوقت» (حالًا)، وبتركيزه على أعمال المسيح القوية وعلى آلامه، وبتصويره المسيح «العبد المتألم» القوي. ويُعتقد أنه كتب لقراء من أصل روماني، إذ يفسر أحيانًا الألفاظ الآرامية والعادات اليهودية لقرائه (مثل مرقس 7: 3–4؛ 15: 42).
استشهاده
لا يذكر الكتاب المقدس نهاية حياة مارمرقس؛ ما نعرفه يأتي من التقليد الكنسي القبطي والمصادر الكنسية القديمة. يذكر السنكسار القبطي — في تذكار استشهاده يوم 30 برمودة — أنه استشهد في الإسكندرية حوالي سنة 68 ميلادية، وأن الوثنيين هاجموه أثناء صلاته في عيد للإله سرابيس وصادف يوم القيامة، فربطوه وجرّوه في شوارع المدينة حتى أسلم روحه، وأن جسده حفظه المؤمنون ودفنوه في الكنيسة التي أسسها.
هذه التفاصيل واردة في التراث القبطي والسنكسار، وتذكرها كذلك مصادر كنسية قديمة أخرى، لكنها تبقى — ككل أخبار استشهاد الرسل — في مرتبة التقليد الكنسي الموثوق كنسيًا، لا في مرتبة النص الكتابي.
عيده في الكنيسة
تعيد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية للقديس مارمرقس في مناسبات عدة، أبرزها:
- تذكار استشهاده: 30 برمودة.
- تذكار ظهور رأسه المقدس في الإسكندرية: 30 بابه.
- تذكار نقل جسده من الإسكندرية إلى البندقية: 17 بؤونة (بحسب التقليد، نقل تجار من البندقية جسده سنة 828 ميلادية، وقد أعيد جزء من رفاته إلى مصر سنة 1968 في عهد البابا كيرلس السادس، وتذكار ذلك 24 بؤونة).
مكانته في الكنيسة القبطية
مكانة مارمرقس في الكنيسة القبطية فريدة: فهو ليس مجرد رسول كرز في مصر، بل هو مؤسس الكنيسة المصرية ذاتها وأول بطاركتها، وبابا الكنيسة القبطية حتى اليوم يحمل لقب «بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية». فكل بابا قبطي يرى نفسه خليفة مارمرقس على كرسي الإسكندرية. كما ينسب إليه التقليد القبطي القداس الإلهي المعروف بـ«القداس الكيرلسي» في أصله المرقسي، الذي صاغه لاحقًا — بحسب التقليد — القديس كيرلس الكبير في صورته الحالية.
الشخصيات والأماكن المرتبطة به
من الشخصيات المرتبطة به: بطرس الرسول (أبوه الروحي بحسب التقليد)، بولس الرسول، برنابا (قريبه)، أنيانوس (أول مؤمنيه في الإسكندرية وخليفته بحسب التقليد)، وتيموثاوس. ومن الأماكن: أورشليم (بيت أمه)، أنطاكية، قبرص، برقة والبنتابوليس، والإسكندرية التي تحتضن كاتدرائيته وكنيسته الأولى بحسب التقليد.
الدروس الروحية
سيرة مارمرقس تقدم درسًا نادرًا في الكتاب المقدس عن «الخادم الذي تعثر ثم نهض»: فالشاب الذي فارق بولس وبرنابا في برغية وسبب خلافًا بينهما، هو نفسه الذي صار بعد سنوات «نافعًا للخدمة» في عيني بولس نفسه، وكاتبًا لإنجيل الرب، ومؤسسًا لكنيسة عريقة. كما تعلمنا سيرته أن البيت المفتوح للصلاة — بيت أمه مريم — يمكن أن يخرج منه كارز لأمة بأكملها.
المصادر والمراجع
- الكتاب المقدس (الترجمة العربية المشتركة/فان دايك): أعمال الرسل 12: 12، 25؛ 13: 5، 13؛ 15: 36–41؛ كولوسي 4: 10؛ 2 تيموثاوس 4: 11؛ فيليمون 24؛ 1 بطرس 5: 13.
- السنكسار القبطي: تذكار استشهاد القديس مارمرقس (30 برمودة).
- يوسابيوس القيصري، «التاريخ الكنسي» (شهادات بابياس وإيريناؤس عن مارمرقس وإنجيله وكرازته في مصر).
- تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية (سير الأنبا سويرس بن المقفع ومن أكملوه): كرازة مارمرقس في مصر وسيرة أنيانوس.
إعداد وتحرير: فريق الينبوع. هذا المحتوى مولد بمساعدة الذكاء الاصطناعي من مصادر موثقة، ويخضع للمراجعة البشرية قبل الاعتماد النهائي.
المراجع الكتابية
الشخصيات المرتبطة
الأماكن المرتبطة
اقرأ أيضًا
- مارمرقس في مصر: كرازة الإسكندرية
قصة كرازة مارمرقس الرسول في مصر واستشهاده في الإسكندرية كما يحفظها التقليد الكنسي والمصادر المبكرة، وتأسيس كرسي الإسكندرية البطريركي.
- الإسكندرية — مهد المسيحية المصرية
الإسكندرية في التاريخ الكنسي: كرازة مارمرقس، مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، وكرسي بطريركية الكنيسة القبطية.
المصادر والمراجع
- الكتاب المقدس — أعمال 12 و13 و15؛ كولوسي 4: 10؛ 2 تيموثاوس 4: 11؛ 1 بطرس 5: 13
- السنكسار القبطي — 30 برمودة — استشهاد مارمرقس الرسول
- الكنيسة القبطية الأرثوذكسية — تاريخ الكرازة المرقسية
